الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

239

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الطيور الرمادية أو السوداء ، ولذلك كان العرب أحيانا إذا ذكروا الأصنام قالوا بعد ذكرها : تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجى . وقد وردت هنا قصة خرافية نقلتها بعض الكتب ، وهي أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حين قرأ الآية : أفرأيتم اللات والعزى أضاف عليها من عنده الجملتين هاتين : تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجى . . فكان سببا لارتياح المشركين وعدوه انعطافا من قبل النبي إلى عبادة الأصنام ، وحيث أن ختام السورة يدعو الناس للسجود . . فإن المسلمين سجدوا وسجد المشركون أيضا ، فكان هذا الخبر مدعاة لإشاعة إسلام المشركين في كل مكان ! حتى بلغ ذلك أسماع المهاجرين إلى الحبشة من المسلمين وسر جماعة منهم إلى درجة أنهم أحسوا بالأمان فعادوا من مهجرهم إلى مكة ( 1 ) . ولكن كما فصلنا ذلك في تفسير الآية 52 من سورة الحج فإن هذا الادعاء كذب مفضوح ، وتبطله الدلائل والقرائن الكثيرة بجلاء . فأولئك المفتعلون لهذه الكذبة لم يفكروا أن القرآن في ذيل هذه الآيات محل البحث ينقض عبادة الأصنام بصراحة ، ويعدها اتباعا لما تهوى النفس وظنونها ، كما أنه في الآيات التي تلي هذه الآيات يعنف عبادة الأصنام بصراحة وبشدة ، ويعدها دليلا على عدم الإيمان والمعرفة ، ويأمر النبي بصراحة أن يقطع علاقته بهم ويعرض عنهم . فمع هذه الحال كيف يمكن أن يتلفظ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بهاتين الجملتين ، أو أن يكون المشركون حمقى إلى درجة بحيث يصغون إلى هذه العبارة ولا يلتفتوا إلى الآيات بعدها التي تعنف المشركين على عبادة الأصنام . . ويفرحوا ويسجدوا في آخر ما يتلى من هذه السورة مع الساجدين .

--> 1 - نقل الطبري هذه القصة الخرافية في تاريخه ، ج 2 ، ص 75 فما بعد .